نازك الملائكة

نازك الملائكة .. ومقومات ابداعها التجديدي

م.م. دعاء كميل ضيف الله

ولدت نازك الملائكة عام 1923 في بغداد وتوفت في مصر عام 2007، وخلال هذه الرحلة العمرية سجلت لها الريادة في مجال الشعر الحر فضلا عن نتاج ادبي متميز تمثل في دواوين شعرية: عاشـقة الليل (1947م)، شظايا ورماد (1949م)، قرارة الموجة (1957م)، شجرة القمر 1968م)، ودراسة نقدية بعنوان (قضايا الشعر المعاصر 1962)، ولها أيضاً: الأدب والغزو الفكري (1965)، محاضرات في شعر علي محمود طه (1965) وديوان شعر بعنوان “مأساة الحياة وأغنية للإنسان” (1970)، ولها أيضاً: التجزئة في المجتمع العربي (1974)، وللصلاة والثورة (1977) ثم ديوان يغيِّر ألوانه البحر. وهذا المنتج النسوي في وقت مبكر من تاريخ الكتابة النسوية العربية فسح المجال لكثير من الدارسين للبحث في المقومات التي ساعدتها وهي الفتاة القادمة من مجتمع محافظ للتمكن من كسر قانون الفحولة في الشعر العربي .

الاسرة :

ولدت نازك في بيت جميع افراده من الادباء ، فوالدها صادق الملائكة شاعر وكذلك والدتها سلمى الملائكة والتي كانت تنشر الشعر باسم (ام نزار) فضلا عن اخوها واختيها ، و خاليها فهما من الشعراء ايضا ، ويبدو ان ميراثهم الشعري لم يبتدء مع هذه العائلة اذ كان لجد امها اثار ادبية بارزة.

وقد تميزت العلاقة بين افراد الاسرة بالاحترام المتبادل وبالفخر الذي امتلكه الوالد ببنته اذ ظهرت علامات الابداع عليها مبكرا ، فكان يقدمها لضيوفه من الادباء ويدعوها لقراءة الشعر امامهم .

 

التعليم :

وفي ظل هذه الاسرة نشات نازك محاطة بالكتب والتشجيع على التعلم ، وقد سمح لها عدد المثقفين المحيطين بها من الاستماع والمشاركة بحوارات ثقافية فكرية ادبية منذ وقت مبكر ، وحين يقرا تاريخ تلك المرحلة من زاوية كونها فتاة يفهم كيف شجعها ذلك لاختراق اول حاجز ثقافي ، اذ دخلت دار المعلمين العالية بعد ان اكملت الدراسة الثانوية وذلك في العام 1940 ولم يتجاوز انذاك عدد الطالبات في العراق تسع طالبات.

وشهد دار المعلمين اولى خطواتها البارزة فقد كانت تنظم الشعر وتنشده في المحافل الثقافية التي كانت تقام في الدار ، مما عكس استعدادها المبكر لمواجهة الواقع والتعبير عن ذاتها ، وبعد التخرج لم تكتف نازك من السعي للمعرفة فدرست العزف على العود في معهد الفنون الجميلة- ولدرس الفن الموسيقي اثر كبير في تنمية ذائقتها السمعية مما ساعدها بعد ذلك على اتقان العروض والابداع في علمها -.

 لترحل بعد ذاك الى الولايات المتحدة الامريكية وفي جامعة برستن درست اللغة اللاتينية والفرنسية والانكليزية ، فضلا عن اطلاعها على الاداب الالمانية والايطالية والروسية والصينية والهندية ، من خلال دراستها للادب المقارن في جامعة وسكونسن .

عندما أنهت دراستها في أمريكا عادت إلى بغداد فعينت أستاذة مساعدة في جامعتها، وانتقلت بعد ذلك إلى التدريس بجامعة البصرة.

تزوجت نازك الملائكة سنة 1962م بالدكتور “عبد الهادي محبوبة” وكان أستاذاً بجامعة بغداد، ثم أصبح رئيساً لجامعة البصرة . وبعد ان نحِّي زوجها عن رئاسة جامعة البصرة، كما نُحِّيت هي أيضاً عن تدريس الأدب العربي، مضيا إلى الكويت ودرَّسا في جامعتها. ومنحتها كلية الآداب بجامعة الكويت سنة 1985م إجازة تفرّغ للعلاج بعد أن عانت وضعاً صحياً ونفسياً متدهوراً بعد ذلك انتقلت مع اسرتها للقاهرة لتدخل عزلة اختيارية حتى وافتها المنية ، فلم تستطع نازك احتمال ابتعادها عن ميادين الدراسة والعلم فضلا عن الغربة عن الوطن.

المتغيرات الثقافية :

ان التاريخ الذي اعتمد رسميا لمولد الشعر الحر هو عام 1949 هو تاريخ اصدار ديوان نازك الملائكة (شظايا ورماد ) والذي نشرت فيه اولى قصائدها بالشكل الجديد ، ومع اشارة الى ان هذا التاريخ يعكس الواقع العربي والمتغيرات السياسية التي حدثت في الوطن العربي بعد نكبة فلسطين في سنة 1948 ، الا ان الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي تذهب الى ان نازك الملائكة التي جاءت بالشكل الجديد للشعر انما بلغته بعد ان وصلت مرحلة من النضج الفني اهلها لهذا الانتاج الجديد وقد جاء هذا بمصادفة غير مقصودة مع نكبة 1948، اذ قد سبقت هذا التاريخ تجارب مثلت رفض الشعراء العرب لقدسية مخلفات الثقافة التقليدية .

الا ان ما ينقله تاريخها من انها في العام الذي اصدرت فيه هذا الديوان اي عام 1949 كانت مشاركة في مخيم كشفي امتد لعدة اسابيع في لبنان وسوريا ، وهذا يشير الى قربها من واقع الحدث الفلسطيني .

فيما يقرر الدكتور عبد الله الغذامي ان نازك الملائكة كان ظهورها يمثل ظاهرة ثقافية لا ادبية ولم تات على سبيل المصادفة ، بل هي نتيجة لثورة اريد منها كسر سيادة المهيمن الثقافي ، وابراز صوت المهمش والمهمل وقد تمثل ذلك في كونها فتاة تكسر عمود الشعر الذي ارتبط دائما بلفظة الفحولة .

ويؤيد ما ذهب له الغذامي ما كتبه زوج نازك الدكتور عبد الهادي محبوبة في مقدمة كتابها (قضايا الشعر المعاصر ) بان على الشعر ان يواكب تطور الانسان وما يمتاز به واقعه من سطحية او عمق.

فالمتتبع لنتاجها باكمله بشقيه النقدي والشعري يرى ان التجديد لم يكن في ما اعلنته هي نفسها بمشروعها عن الشعر الحر بكونه تجديدا في الشكل والعروض ، وانما كانت نازك تريد ان تحرر ذات الشاعر نفسه من قيوده ، ويتضح ذلك باختيارها لمصطلح الشعر الحر فهي انما ارادت ان تساعده على كسر القيد الشكلي لتفسح له المجال لكسر القيد الفكري بعد ذلك وما اقرته في مقدمة ديوانها(شظايا ورماد) من ان اللاقاعدة هي القاعدة الذهبية دليل على ذلك .

فهي ومن خلال شعرها تطلق عدة صرخات تخلخل فيها النظام وتدعوه للثورة :

متى نصلي ؟

انما صلاتنا انفجار

صلاتنا ستطلع النهار

تسلح العزل ، تعلي راية الثوار

صلاتنا ستشعل الاعصار

ستزرع السلاح والزنبق في القفار

تحول الياس الى انتصار

وربطها الصلاة بالثورة ، بل اقصارها لمعنى الصلاة بانها لابد ان تكون فاعلة ومنتجة ، رفض شجاع للسكون ودعوة جريئة للتغيير ، تؤكد ما نذهب اليه من انها ارادت التغيير المجتمعي لا التجديد الابداعي في الشكل الشعري فقط ، خاصة مع عمق احساسها بالاخر ، فهي عاشت من اجل الاخر المختلف في محاولة لكسر الحاجز الفاصل ، وفي ذلك قولها :

لنكن أصدقاء

نحن والحائرون

نحن والعزّل المتعبون

والذين يقال لهم “مجرمون

نحن والأشقياء

نحن والثملون بخمر الرخاء

والذين ينامون في القفر تحت السماء

نحن والتائهون بلا مأوى

نحن والصارخون بلا جدوى

نحن والأسرى

نحن والأمم الأخرى

في بحار الثلوج

في بلاد الزنوّج

في الصحارى وفي كلّ أرض تضمّ البشر.

 

 

المصادر:

·        رواد الشعر الحر في العراق ، سلمان هادي ال طعمة ، دار البلاغة ، ط1 ، 2002

·        الاعمال الشعرية الكاملة ، نازك الملائكة ، دار العودة ، بيروت ، ط1 ، 2008

·        الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث ، سلمى الخضراء الجيوسي ، تر : د. عبد الواحد لؤلؤة ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، ط2 ، 2007

·        نازك الملائكة بين الكتابية وتانيث القصيدة ، د. عبد العظيم السلطاني ، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 2010

·        النقد الثقافي- قراءة في الانساق الثقافية العربية ، د. عبد الله الغذامي ، المركز الثقافي العربي ، بيروت ، ط1، 2000

·        تيار الشعر الحر : نازك الملائكة ، ماجد السامرائي ، الثقافة العربية –حصيلة اولية ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، ط2 ، 2013

·        ادب المراة العراقية في القرن العشرين ، د. بدوي طبانة ، دار الثقافة ، بيروت ، ط2 ، 1974

·        قضايا الشعر المعاصر ، نازك الملائكة ، مكتبة النهضة ، بغداد، ط3، 1967

·        نازك الملائكة – لا للكعب العالي لا لافلام العصابات ، كاتيا شهاب، دارالمؤلف ، لبنان، ط1، 2010